سعيد حوي
330
الأساس في التفسير
لما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر شرع في بيان الصبر والإرشاد إلى ما يتم به ، من معرفة بالله وبما أعد للشهداء والصابرين . وقد أمر بهذه الآية بالاستعانة بالصبر والصلاة فهما أجود ما يستعان به على تحمل المصائب . وفي الحديث « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة » والصبر صبران : صبر على ترك المحارم والمآثم ، وصبر على فعل الطاعات والقربات ، والثاني أكثر ثوابا ، لأنه المقصود . وأما الصبر الثالث وهو الصبر على المصائب والنوائب ، فذاك أيضا واجب كالاستغفار من المعايب . ويدخل بالأمر بالاستعانة بالصبر ، الصوم لأنه نصف الصبر . كما يدخل بالأمر بالاستعانة بالصلاة قراءة الفاتحة والدعاء . لأن الفاتحة صلاة ولأن الدعاء صلاة . ولكن المقصود الرئيسي من الصبر التصبر . فإذا وضح هذا نقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ لأنه به تنال كل فضيلة وَالصَّلاةِ لأنها تنهى عن كل رذيلة وتعطي صاحبها اطمئنانا . إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصر والمعونة . قال عليه الصلاة والسلام « عجبا للمؤمن لا يقضي له الله قضاء إلا كان خيرا له . . إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له » . قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : « الصبر في بابين : الصبر لله بما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان . والصبر لله عما كره وإن نازعت إليه الأهواء . فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء الله » . وقال سعيد بن جبير : « الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه ، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه . وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا الصبر » . وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ، يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون كما جاء في صحيح مسلم : « إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت . ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال : ما ذا تبغون . فقالوا : يا ربنا وأي شئ نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك . ثم عاد عليهم بمثل هذا . فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا ، قالوا : نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى . لما يرون من ثواب الشهادة . فيقول الرب جل جلاله : إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون » . وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نسمة المؤمن طائر تعلق